آية الله قاسم.. أذى المؤمن
بسم الله الرحمن الرحيم
إن المسلم الآخذ بالإسلام وخُلقه لعلى أدبٍ جمّ، وعلى أشد ما يكون من التجافي والنأي عن السوء، والنزاهة عن أذى من لا يرضى الله عزّ وجلّ بأذاه، وصان حرمته، وهو لا يفعل إلا بحقّ، ولا يقول إلا بحق، ولا يقرب مما حرّم الله إلى شيء، ومن راعى أحكام دينه ووصاياه في أمر المؤمن وصون حرمته كان له من ذلك حاجز متين عن خدشه ولو بكلمة يسيرة، أو نظرة مضجرة، ولنسمع من النصوص عن مدى حرمة المؤمن، وخطر التعدي عليه، وقصده بالإهانة، ومسِّه بالأذى من غير حق حتى نحترس ونتريث ونتوقف ونتهيب من اقتحام شرف المؤمن وسمعته ومسّ كرامته، والنيل من شخصيته ما لم نحرز إذن الله في مورد معيّن في التعرض له بما خالف من واجب شرعي، أو أصاب من معصية مصرّاً على خطئه، أو كان له من الخطأ الذي لو سُكت عليه لأضرّ بمصالح لا يرضى الإسلام بتضييعها مثلاً وإن لم يأخذ خطؤه صفة الذنب الذي يعاقب عليه.
وإلى مجموعة من النصوص في هذا المقام:
عن النبي (صلى الله عليه وآله):"من آذى مؤمناً فقد آذاني".
فهل يحتمل ظهر أحدنا من ثقل الوزر أن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وآله؟ أبو جهل آذى رسول الله، أبو سفيان آذى رسول الله، فهل ندخل في زمرة أبي سفيان وأبي جهل بأذى المؤمن؟
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم:"من نظر إلى مؤمن نظرة يخيفه بها أخافه الله تعالى يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظلُّه".
إنه لخوف لا أمن منه ولا دافع له؛ خوف يسلّطه الله عزّ وجلّ على قلب عبد من عبيده نقمة هو خوف لا أمن منه، ولا دافع له، وذلك في أشدّ أيام الهول والفزع، والاكتئاب. خوف ممن لا يملك أحد أن يحدث في قلبٍ خيفة تملك عليه كل أقطاره، وتزلزله... خوف من صنع الله الجبّار القهّار.
"من أحزن مؤمناً ثم أعطاه الدّنيا لم يكن ذلك كفّارته ولم يؤجر عليه".
وهل نملك نصف الدنيا، ربع الدنيا؟! والدنيا كلّها لا تكفي لاسترجاع رضا الله سبحانه وتعالى بعد سخطه لأذى المؤمن. فهو إثم من دخل فيه لم يخرج من مضيقه، ونفق أسود لا مخرج له من حيلة صانعه والداخل فيه. يدخل لكنه لا يستطيع أن يخرج، وإنما المخرج بأن يعفو المؤمن لتُعتق رقبة من أحزنه من العذاب وذلك بخياره، فتكون رقبة من تسبب بأذى المؤمن في يده يأخذ بها إلى الجنَّة أو النَّار
قال الله تبارك وتعالى:"من أهان لي وليا فقد أرصد لمحاربتي".
فليحارب الله عزّ وجلّ وهو من لا ينهض لقدرته ناهض من شاء من المؤمنين بأذى بعضهم البعض، وهل من أحد يطيق محاربة الله ومضادّته؟! وهل يسمح لمؤمن إيمانه بذلك؟!
"أذلّ الناس من أهان الناس".
الإنسان الذي لا يشعر بكرامة الإيمان والإنسانية في غيره مفتقر لها في نفسه، وبذلك لا يعرفها، ولا يعرف أن هذه الكرامة أكبر ما في الإنسان، وأشدّ ما عليه أن تُخدش، ولو وجدها من نفسه، وعرف لها قدرها كم يهن عليه أن يمسَّها في غيره.
كل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وعن أمير المؤمنين عليه السلام:"المؤمن نفسه منه في تعب والناس منه في راحة".
نفسه منه في تعب لأنه لا يقف بها لحظة عن الصعود والصمود والترويض والتصبير، وكل ذلك معاناة، ومقاومة، وفيه من الشدّة ما فيه. أن تواجه غيرك دون أن تواجه نفسك، ونفسك هي أعزّ ما عليك، وأقرب شيء بعد الله إليك.
والناس منه في راحة حيث لا أذى منه يأتيهم فإن له حاجزا من خوف الله، وله طمع في ثواب الله، يلوي به دائما عن أن يؤذي أحداً، والمؤمن لا ردّ منه في الكثير على الأذى الكثير من الناس تعفّفاً. إنه قد يعجز ولكنه حتّى في موارد القدرة يتعفف.
"من أسرع إلى الناس بما يكرهون، قالوا فيه ما لا يعلمون".
وكثير منّا يكفي الناس ما يعلمون منه لينالوا منه بحقّ، وليسقطوه، فكيف إذا انطلقت ألسنتهم فيه بما لا يعلمون. إن باب ما لا يعلمون بابٌ مفتوح لمن رضي لنفسه أن يرتاده.
والناس إذا دخلوا في مذمّة رجل، والنيل منه من هذا الباب لم يُبقوا منه ولم يذروا وكان لولا حماية الله عز وجل إذا كان مظلوماً من الهالكين.
وعن الصادق عليه السلام:"من كفّ يده عن النّاس فإنما يكفّ عنهم يداً واحدة ويكفّون عنه أيادي كثيرة".
وكم تقوى يدك الواحدة على أن تقاوم أيدي المئات والألوف والملايين، فلنعقل.
"من أعان على المؤمن بشطر كلمة لقي الله عزّ وجلّ وبين عينيه مكتوب آيس من الله".
أي من رحمته، من لطفه، يعني لا رحمة لحكم الله له من الله، فليبحث عن رحمة تأتيه من دون الله، ولا شيء. وويل ثم ويل ثم ويل لمن كان هذا يوم القيامة مآله.
أعاذنا الله من الإعانة على دم مؤمن، على شرف مؤمن، على مكانة مؤمن، أعاذنا الله من الاشتراك في إسقاط مؤمن، أذى مؤمن مما يسخط الله ويخرج من رحمته.
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
خطبة الجمعة (351) 12 محرم الحرام 1430هـ 9 بناير 2009م