آية الله قاسم.. المساجد لله
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم يا كريم
وقف الواقف يخرج ما كان له عن ملكه، وينهي علاقته الخاصة به، إلا أن يجعل لنفسه الولاية عليه في متن إيقاع الوقف، والولاية غير الملكية، وهي قابلة للإنهاء ولا بد أن تُنهى عند مخالفة الحكم الشرعي الخاضعة له.
والمساجد للانتفاع العبادي للمسلمين وفي مقدمته الصلاة، ولتبليغ الدين الحق، وتعلّمه وتعليمه، والتمكين له، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
يوم أن يتوقف المسجد عن وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا توجد مؤسسة أخرى في المجتمع تنهض بهذا الواجب. المسجد هو المسؤول الأول عن النطق بكلمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو آخر قلعة لهذا الواجب فإذا سكت سكت المجتمع كلّه.
ولاتملك الحكومات ولا الأحزاب ولا الفئات شيئا من وظائف المسجد والسيطرة عليه بما يخالف وظائفه الشرعية والأحكام الإلهية المتعلقة به.
ومن منع وظيفة من وظائف المسجد فقد عطّل المسجد وحارب الله ورسوله، وأرصد للدين وأضرّ به، وهو منكر شديد يجب أن يُحارَب. فالحكومة إذا منعت مسجداً من أداء وظيفته فقد ارتكبت كل هذا، ولا يُسكت على منكرها.
ومن هذا الوعي الديني يجب أن تواجه أي محاولة من أي حكومة في بلاد المسلمين وحتّى غيرها ما أمكن لو أرادت أن تضع يدها على المساجد، وتعطّل شيئاً من وظائفها فضلا عن إرادة توظيفها في صالح سياسة من السياسات التي لا تلتقي مع عدل الدين ومفاهيمه وأحكامه ورؤاه.
التدخّل من الحكومات أو غيرها في المساجد على مستويين: المستوى الأول أن تعطل وظيفة المسجد من صلاة، أو تبليغ، أو أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، إلخ، هذا مستوى.
المستوى الآخر أن يُستولى على وظيفة المسجد، وأن تُجيَّر للحكومات بحيث يكون المسجد مؤسسة من المؤسسات الرسمية في وظيفته، وهذا منكر أكبر وأكبر، وأخطر وأخطر.
وتدخّل الدين في السياسة، والمسجد في أمور العلاقة بين الشعوب والحكومات طبقا لموازين الدين وقيمه وأحكامه من صلب الوظيفة الدينية والمسجدية، وغلق المسجد من أجل هذا الوجه، وتعطيل دور أئمة الجماعة إذا كان للقيام بهذه الوظيفة مخالفة شرعية صريحة لا يصح أن تُقرّ ولابد من إنكارها.
إن الوقوف في وجه أي إمام من أئمة الجماعة، وتعطيل دوره في المسجد بتعليل عدم قيده رسميا لهذه الوظيفة يجب أن يُرفض شعبيا بشدة على حدّ رفض الدين لهذا التعليل لمساوقته للاعتراف بملكية الدولة للمسجد، وربط وظيفته بما تشتهيه وتمليه.
أقول: بأنه إذا كان للدولة أن تعيّن أئمة المساجد، أن تفصلهم، أن تضع شروطاً لإمام الجماعة، أن تحدد وظائفه، فمعنى هذا أننا ملّكنا المساجد للحكومات، والمساجد لله.
فَرِضا الدولة الوضعية وسخطها على الأشخاص لا ربط له مطلقا بما وضعته الشريعة من مواصفات لإمام الجماعة، وصلاحيته للإمامة.
وقد رفض هذا الشعب ولا زال يرفض تعيين وفصل أئمة الجماعة من قبل الجهة الرسمية تمشّيا مع أوامر ونواهي الشريعة. رفض ويرفض أن تخضع المساجد لمشتهيات السياسة ومخططاتها، وهو ما استهدفه نظام الكادر المرفوض شعبيا وللأبد إن شاء الله.
وهل يبقى شك عند أحد في أن إخضاع إمامة الجماعة لنظام الكادر وربطها بالإرادة الرسمية إنما هو طريق للاستيلاء على هذه المؤسسة الإسلامية الأصيلة في كل مهامها ووظائفها لصالح السياسة الوضعية ولو على خلاف الدين؟!
التعليل لغلق مسجد بأن إمام الجماعة فيه ليس معتمداً رسميّاً كشف تماما أن الكادر من أجل تحويل المساجد إلى مؤسسات رسمية، فمن أرضى من أئمة الجماعة الحكومة في دوره بقي، ومن لم يُرضها لا يبقى، من سجّل فله أن يصلّي إماماً، ومن لم يسجّل فليس له أن يؤمّ جماعة في أي مسجد، هذا القرار اليوم يطبّق على واحد، وغداً يطبّق على الجميع.
وإذا كان سيعطّل أي إمام مسجد عن إمامته بحجة أنه من خارج أئمة الكادر فكلنا خارجون منه. وليختر الناس بين أن لا يعطوا الشرعية إلا لإمامة من تعيّنه السلطة، أو يأخذوا شرعية الإمامة بالجماعة من دين الله وشريعته.
وإذا كان خيار المؤمنين أن لا يصلّوا إلا خلف من أجازته الحكومة - وهذا بعيد على هذا الشعب كل البعد - فعلينا نحن الذين لا نرضى بهذا المنكر أن ننسحب جميعا من محاريب الصلاة. وقلت إن هذا لبعيد كل البعد على هذا الشعب.
والموقف الشرعي الواجب والذي يحتم رفض ومواجهة إلحاق المساجد بمؤسسات الدولة التي تخدم سياستها وإن عارضت الدين منسحب بالقوة نفسها على عرقلة بناء المساجد والحسينيات، وربطه بالإرادة السياسية خارج كل الاعتبارات الأخرى، وعلى كل محاولات التدخل السافر في الشأن الديني بما يضره ويقضي عليه.
والحكومة بهذا التدخل تفتح باب معركة لا تنتهي على الإطلاق.
ولا يملك المرء إلا أن يبدي عجبه من إصرار الحكومة على تكثير الأزمات على مستوى المعيشة، والإسكان، والأمن حيث تتوالى دفعات الموقوفين والمعتقلين والمحاكمين لمسرحيات هزيلة مختلفة بين حين وآخر. إن في هذا التأزيم شديد للوضع، والمستهدف له مستهدف لزعزعة أمن هذا البلد.
نعم لا يملك المرء إلا أن يبدي عجبه من إصرار الحكومة على تكثير الأزمات على مستوى المعيشة، والإسكان، والأمن، والدين، وغير ذلك بصورة حادة ومتوالية بما لا يعطي فرصة على الإطلاق لاستقرار الوضع ولو قليلا، وكأنها تستحث الأوضاع إلى مزيد من التوتر والتفجّر، وكأنها مؤمنة بأن مصلحتها في ذلك، وهو تفكير مستغرب، مستقبح، مستنكر، بعيد عن كل تجارب الأرض تاريخا وحاضرا.
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم
قسم من خطبة الجمعة (353) 26 محرم الحرام 1430هـ 23 بناير 2009م