العلامة الغريفي.. أيّ مصير أسود ينتظر المساجد
بسم الله الرحمن الرحيم
لجان من أجل مراقبة الخطب الدينيّة:
صدر تصريحٌ من جهاتٍ مسؤولة، تحدّث عن تشكيل لجانٍ لمراقبة خطب المساجد...
هنا نطرح أكثر من تساؤل:
التساؤل الأول: ما هي المعايير المعتمدة لدى هذه اللجان؟
قد يقال: هناك معياران أساسيّان: الثوابت الدينيّة، والثوابت الوطنيّة...
فأيّ خطاب يتنافى مع هذين المعيارين، فيجب إيقافه وتجميده، ومحاسبة صاحبه، كونه تعدّى على الثوابت الدينيّة أو الثوابت الوطنيّة...
هذا أمرٌ لا غبار عليه، فكلّ من يتعدّى على هذه الثوابت فيجب أن يوقف...
ولكن هنا:
تساؤل آخر: من الذي يحدّد هذه الثوابت الدينيّة والوطنيّة؟
هل السلطة هي التي تحدّد هذه الثوابت؟
إذا كان الأمر كذلك، فسوف يتحوّل كلّ خطاب يعارض سياسة من سياسات السلطة إلى خطاب يتعدّى على الثوابت...
وسوف يتحول أيٌّ موقفٍ ناقدٍ أو محاسبٍ أو رافضٍ إلى موقف يتعدّى على الثوابت...
وسوف يتحوّل أيّ صوت جرئ يطالب بالحقوق المشروعة، ويندّد بكلّ أشكال الظلم الرسمي، والعبث الرسمي، والفساد الرسمي إلى صوت ينتهك الثوابت الدينيّة والوطنيّة...
إنّ الأنظمة السياسيّة الحاكمة - كما في التاريخ وكما في الحاضر- تحاول دائمًا أن تصوغ المعايير وفق مقاساتها... فالمعايير الدينيّة والوطنيّة يجب أن تصاغ وفق مقاسات الأنظمة الحاكمة....
دعونا نتفق على المعايير الدينيّة التي أرادها الله لا المعايير التي تريدها الأنظمة الحاكمة... ودعونا نتفق على المعايير الوطنيّة التي تعبّر عن مصالح الشعوب الحقيقيّة، وليست التي تعبّر عن مصالح الأنظمة الحاكمة...
وعندها فلتحاكم الخطب، ولتحاسب الكلمات، فنحن نريد لخطب المساجد أن تكون محكومة للضوابط الدينيّة الصّحيحة، وللضوابط الوطنيّة الحقّة...
ونطرح تساؤلًا ثالثًا: من الذي يشكّل لجان المراقبة؟
هل سيكون لعلماء الدين المعنيين بهذا الشأن أيّ دور في هذه اللجان؟
إذا كان الأمر شأنًا رسميًا بحتًا، وربّما يعطى لبعض علماء الدين الرسميين شيئًا من الدور...
إذا كان الأمر كذلك، فسوف تكون هذه اللجان محكومة لإرادة السلطة.. بل ستتحول إلى لجان أمنيّة، تراقب وتحاسب وفق معايير تضعها أجهزة الأمن...
وأيّ مصير أسود ينتظر المساجد وخطب المساجد حينما تكون خاضعة لقرارات الأمن وأجهزته...
تساؤل رابع: هل سيتحكّم المزاج الطائفي في عمل هذه اللجان؟
وفق السياسات الطائفيّة السائدة، والمتغلغلة في كلّ المفاصل، سيكون الجواب عن هذا التساؤل واضحًا... يوم نجد هذا البلد نظيفًا من سياسة التمييز الطائفي فسوف لن نعيش التوجّس والتخوّف والقلق تجاه أيّ مشروع يطرح، أمّا والأمر ليس كذلك فسوف تبقى هذه الهواجس... فقد أرهقتنا ممارسات التمييز..
بالله عليكم: ماذا تريدوننا أن نقول تجاه هذه اللجان؟
بالأمس القريب مارس خطيب جمعة أسوء سبّ وقذف وإساءة لطائفة كبيرة في هذا البلد... ووصفهم بالصهاينة...
ضبطنا الأعصاب، وقلنا للنّاس حذارِ من ردود الفعل المنفعلة... فالذين يحركون هذه الخطابات ينوون الشّر والدمار والفتنة لهذا الوطن...
وصدر توقيف هذا الخطيب من أجل درّ الرماد في العيون، ومن أجل تهدئة العواطف....
وما تمضي إلّا بضعة أيام ويصدر القرار الرسمي بإعادته إلى موقع الخطابة، ليقول القرار لكلّ أبناء الطائفة: موتوا بغيظكم... فلن تفرّط السلطة بابنها البّار الصادق في ولائه من أجل عيونكم...
هكذا تكافئ السلطة هذا المتمرّس في سبّ الطائفة وشتمها وقذفها....
فماذا تريدون أن نقول؟
وهل تريدون منّا أن نثق بهذه اللجان؟...
كان من اللياقة والحكمة والسلطة تطرح ما تسميه لجان المراقبة لخطب المساجد أن تبقي هذا الخطيب - ولو من أجل التمويه على النّاس - مدّة أطول، لا أن تعيده متزامنًا مع إطلاق هذا المشروع...
فهل يطلب منّا هؤلاء أن نصفق لمثل هذه المشروعات وصنّاعها يمارسون هذا اللون من التمييز الصّارخ، وهذا اللون من الإساءة الفاحشة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين